حسن ابراهيم حسن
495
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
أهل المشرق قد اقتبسوا الأزجال عن المغرب كما عرفوا فن التوشيح عن الأندلس أيضا . كما يقول ابن سعيد : سمعت أبا الحسن بن جحدر الإشبيلي إمام الزجالين في عصرنا يقول : ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة » . وقد خرج ابن قزمان إلى متنزّه مع بعض أصحابه فجلسوا تحت عريش وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء على صفائح من الحجر فقال : وعريش قد قام على ركان * يحال الرواق وأسد قد ابتلع ثعبان * من غلظ ساق وفتح فمو بحال إنسان * به الفواق وانطلق من ثمّ على الصفاح * وألقى الصباح ونرى أن هذا الشعر لا يلتزم وزنا ولا قافية ولا انتظاما بين شطرى البيت الواحد ، كما تلاحظ أن بهذا الشعر كلاما ملحونا وكلاما عاميا . فمن الخطأ النحوي قول ابن قزمان « ابتلع ثعبان » ، ومن الخطأ اللغوي قوله « فتح نمو » . وهذا يدل على أن هذا الشعر ، قد قيل بالعامية ولم تراع فيه مقاييس أو اللغة أو العرف الشعرى بخلاف التوشيح ، فإنه ، وإن كان لم يسر على نظام القصيدة العربية ، قد روعى فيه التزام قواعد النحو واللغة ، وهذا هو الفرق الأصيل بين التوشيح والزجل . ومع أن ابن قزمان كان قرطبى الدار كان يتردد على إشبيلية ويقول فيها كثيرا من أزجاله لحضارتها وجمال طبيعتها وشدة إقبال الناس على سماع أزجاله فيها « 1 » . ولا ريب أن ابن قزمان قد نهض بفن الزجل نهضة لم يسبق إليها ، وأنه كان رائدا للزجالين الذين جاءوا بعد عصره . ويحسن أن نعرض في إيجاز الشعر الفنى في هذا العصر الذي خصصاه في هذا الجزء الرابع حيث نلمس تطورا في الشعر العربي بالأندلس : في أوزانه وقوافيه وفي نظامه بصفة عامة . وكان ذلك التطور راجعا إلى طبيعة الأندلس الجميلة التي تتميز بالأنهار الجبارية والجنان المزهرة والأشجار المشرقة والطيور المفردة والجبال المنيفة والروابى السحيقة والطبيعة
--> ( 1 ) المقريزي : نفح الطيب ج 9 ص 228 - 229 .